باحثون يطورون شريحة دماغية تترجم الأفكار إلى كلام منطوق
نجح باحثون في تطوير جهاز معزز بالذكاء الاصطناعي يحتوي على شريحة زُرعت في دماغ سيدة تعاني من الشلل، وهو ما مكّنها من ترجمة أفكارها إلى كلام منطوق في أجزاء من الثانية.
التقنية الجديدة، التي نُشرت تفاصيلها ضمن دراسة علمية في دورية “نيتشر نيوروساينس” (Nature Neuroscience)، تعالج واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً في هذا المجال، والمتمثلة في بطء الاستجابة وتأخر إخراج الصوت عند استخدام الأطراف العصبية الخاصة بالكلام.
وضم الفريق باحثون من جامعة كاليفورنيا، حيث صمّموا نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل الإشارات العصبية مباشرة إلى كلام منطوق، بما يوازي سرعة الاستجابة في الأجهزة الذكية مثل “أليكسا” و”سيري”.
البث اللحظي
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة جوبالا أنومانشيبالي: “النهج الذي اتبعناه في البث اللحظي يمكّن من الوصول إلى قدرات فك شيفرة الكلام بسرعة تقارب تلك التي تتمتع بها الأجهزة الذكية، لكنه يُطبّق هذه الإمكانيات في أطراف عصبية مخصصة لذوي الإعاقات”.
بينما قال تشيول جون تشو، وهو أيضاً من القائمين على الدراسة، إن النظام لا يقوم بقراءة الأفكار الأولية، وإنما يبدأ في تفسير النشاط العصبي بعد أن يكون المتحدث قد حدد ما يريد قوله، واختار الكلمات المناسبة، واستعد لتحريك عضلات النطق.
أجُريت التجارب على مريضة تُدعى “آن”، حيث تم ربط الشريحة الدماغية بجهاز مخصص لتوليد الصوت، وفي أثناء التجربة، كانت المريضة تنظر إلى شاشة تعرض عبارات مثل: “مرحباً، كيف حالك؟”، ثم تحاول تكرار العبارة بصمت، دون إصدار صوت.
من جانبه، أكد الباحث كايلو ليتلجون، وهو أحد المشاركين في الدراسة، أن هذه العملية أتاحت للفريق بناء خريطة دقيقة تُطابق بين الإشارات العصبية التي تُطلقها المريضة، والجملة التي تحاول نطقها، من دون أن تضطر لتحريك شفتيها أو إصدار أي صوت: “سمح هذا لنا بالحصول على نمط عصبي يمكن ربطه بالجملة المستهدفة، من دون الحاجة لأي نطق حقيقي”.
نموذج ذكي
وفي وقت لاحق، استخدم الفريق نموذجاً مدرباً مسبقاً لتحويل النصوص إلى صوت، بهدف توليد المخرجات الصوتية، حيث استعانوا بتسجيلات صوت “آن” قبل تعرضها للإصابة، ما أضفى على الصوت الناتج طابعاً شخصياً قريباً من نبرتها الأصلية.
وقال تشو، الذي يُتابع دراسة الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا بيركلي: “استخدمنا نموذجاً صوتياً مدرباً مسبقاً لتوليد الصوت ومحاكاة الجملة المستهدفة، كما استخدمنا أيضاً صوت آن قبل إصابتها، بحيث يكون الصوت الناتج عند فك التشفير أقرب إلى صوتها الحقيقي”.
وفي حين كانت الدراسات السابقة التي تناولت تقنيات مشابهة تواجه تأخيراً يُقدّر بنحو 8 ثوانٍ لإنتاج جملة واحدة، فقد نجح الفريق عبر منهجه الجديد في تقليص هذا التأخير إلى ما يقارب ثانية واحدة، مما يُتيح إخراج الصوت فور محاولة الشخص التحدث.
وأضاف أنومانشيباللي: “بالنسبة للإشارة التي تعكس نية النطق، يمكننا توليد أول صوت خلال ثانية واحدة فقط. كما أن الجهاز قادر على فك تشفير الكلام بشكل مستمر، مما يسمح للمريضة آن بمواصلة الحديث دون انقطاع”.
كما اختبر الباحثون قدرة النموذج على توليد كلمات لم تكن مدرجة في مجموعة التدريب الأصلية، وأثبتت النتائج أن الذكاء الاصطناعي قادر على التعامل مع هذه الحالات بكفاءة.
وتابع أنومانشيباللي: “وجدنا أن نموذجنا ينجح في ذلك، ما يُظهر أنه يتعلم فعلياً الأسس الرئيسية للصوت والنطق”.
واعتبر الباحثون أن هذا الأمر يُمثّل خطوة رائدة في مجال الأطراف العصبية الخاصة بالنطق. وأشار جون تشو إلى أن “هذا الإطار التمهيدي يُمثل بالفعل اختراقاً علمياً، ونحن متفائلون بإمكان تحقيق تطورات ملموسة على كافة المستويات التقنية”.
في السنوات الأخيرة، شهد مجال تطوير الشرائح الدماغية تقدماً ملحوظاً، مع سعي العديد من الشركات إلى ابتكار تقنيات تعزز التواصل البشري، وتعالج التحديات الطبية.
في فبراير 2025، كشفت شركة “بارادروميكس” عن شريحتها الدماغية المتطورة “Connexus”، التي تهدف إلى تغيير طريقة تواصل الأفراد مع العالم عبر التفكير فقط، مما يفتح آفاقاً جديدة للأشخاص الذين يعانون من إعاقات حركية.
وفي سياق متصل، تعمل شركة “نيورالينك” المملوكة لإيلون ماسك على تطوير شريحتها الدماغية “N1″، حيث حصلت على موافقة هيئة الصحة الكندية لإطلاق تجربتها السريرية الأولى في كندا، مستهدفة مرضى الشلل الرباعي الناتج عن التصلب الجانبي الضموري، أو إصابات الحبل الشوكي.
ويُبرز هذا التقدم التنافس المتزايد في هذا المجال، مع ظهور شركات أخرى مثل “NEO” الصينية، التي طوّرت شريحة دماغية تعتمد على وضع الأقطاب الكهربائية خارج قشرة الدماغ، مما يقلل من التداخل مع الأنسجة الدماغية مقارنة بتقنيات أخرى.